الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

454

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

إليها في الغائب ولا يمكن الوصول إليها لا من أصالة البراءة ولا من البناء على الاحتياط إذ ليس شيء منها طريقا لمعرفة ما هو الواقع وغاية ما يحصل الاحتياط العلم بفراغ الذمة إما لفراغها من أصلها أو للإتيان بما اشتغلت به وأين ذلك من معرفة حقائق الأحكام المتعلقة وإن أريد به اشتغال الذمة هناك بأداء التكليف فهو أيضا واضح البطلان إذ المفروض عدم قيام دليل على الاشتغال مع دوران الواقع بين حصول التكليف وعدمه فأيّ علم قضى هناك بالاشتغال ولو اعتبر العلم الإجمالي باشتغال الذمة بأداء تكاليف الشرع جملة من الضرورة والآيات والأخبار الدالة على وجوب الطاعة التي هي موافقة الأمر والنهي فيجعل ذلك قاضيا باعتبار العلم بالفراغ كما قد يستفاد من كلمات بعض المتأخرين أيضا حيث حكم بعدم الفرق بين أن يكلف أولا على الإجمال ثم يأمر وينهى على التفصيل ويكلف بالتفصيل ثم يأمر بالمجمل تأكيدا كما يقول امتثلوا ما أمرتم به وتوضيح المقام أن الأوامر المتعلقة بوجوب الامتثال التكاليف الشرع ولزوم الطاعة قد أفادت وجوب طاعته في جميع أوامره ونواهيه ولا ريب في إجمال هذا المأمور به وعدم وضوحه عندنا للشك في كثير من الأوامر والنواهي الشرعية فإن كان الإجمال المفروض باعثا على لزوم الاحتياط في تفريغ الذمة جرى في المقامين وإن بني على الاقتصار على القدر المعلوم ونفي ما عداه بالأصل جرى فيها أيضا فيدفعه أن التكليف المذكور ليس زائدا على التكاليف الخاصة المتعلقة بمواردها المخصوصة حتى يكون هناك واجبان أحدهما من جهة الأمر المتعلق بالفعل والآخر من جهة الضرورة القاضية بوجوب الطاعة أو الأوامر الدالة عليه وحينئذ نقول إن العلم الإجمالي بحصول تلك التكاليف المتفرقة لا يفيد العلم بحصول تكليف زائد على القدر المعلوم من التكاليف والامتثال بذلك القدر المعلوم لا يتوقف على غيره قطعا فبعد تحقق الامتثال بالنسبة إليها وعدم العلم بتعلق الطلب بغيرها لم يتحقق علم بالانتقال رأسا حتى يتوقف على العلم بالفراغ بخلاف المقام لتحقق التكليف بالمجمل وعدم العلم بالامتثال أصلا مع الاقتصار على القدر المعلوم ولو سلم حصول تكليف آخر على جهة الامتثال متعلق بوجوب الامتثال فليس امتثاله بحسب متعلقاته مما يتوقف بعضها على بعض فيقتصر إذن على القدر المعلوم وينفى الباقي بالأصل للعلم بحصول الامتثال بالنسبة إلى المعلوم وعدم تحقق الاشتغال من أصله بالنسبة إلى غيره حسبما مر تفصيل القول فيه وهذا بخلاف المقام إذ المفروض حصول العلم بالاشتغال مع انتفاء العلم بحصول الامتثال رأسا وأما الثاني فبأن متعلق التكليف مجمل في المقام وليس التكليف بالأقل متحققا على الحالين ليؤخذ به وينفي الباقي بالأصل على ما مر تفصيل القول فيه عند الاحتجاج على المختار وأما الثالث فبأن من البين وضع الألفاظ للأمور النفس الأمرية من غير مدخلية للعلم والجهل بالمرة وقضية الأصل والطريقة الجارية في المخاطبات البناء على استعمالها في معانيها الموضوعة حتى تقوم قرينة صارفة عنها فالقول باستعمالها في خصوص ما يفهمه المخاطب من ذلك الخطاب كما يتخلص من ملاحظة الاحتجاج المذكور وعليه يدور صحة الاحتجاج به غير وجيه بل غير معقول لرجوع ذلك إلى عدم قصد شيء مخصوص من العبادة واستعماله في معنى مجهول هو ما يفهمه المخاطب كائنا ما كان وأعجب منه ما حكم به من جريان طريقة المخاطب عليه وأما ما ذكر من جريان الطريقة على الأفهام بحسب ظاهر الحال فهو لا يدل على ذلك بوجه إذ ذاك إنما يكون وجها لعدم تنصيص الشارع على المقصود بحيث لا يحتمل الخلاف بأن يقال إنه إنما يجري في المخاطبات على ظواهر الألفاظ كما هو قانون أصحاب اللسان في البيان لا أن مقصوده من العبارة هو ما يفهمه المخاطب وإن غلط في الفهم وفهم خلاف ما هو الظاهر من اللفظ بحسب الواقع فالقدر اللازم حينئذ هو تكليفهم بظواهر الألفاظ ما لم يقم هناك صارف عنها ومن البين كشف ذلك حينئذ عما هو مقصوده في الواقع إذ لو أراد حينئذ غيره لزم الإغراء بالجهل والتكليف بالمحال وأين ذلك من كون المراد بتلك الخطابات ما يعتقده المخاطب ويفهمه من تلك العبارات نعم ما يفهمه المخاطب من تلك الخطابات مع عدم التقصير في الفهم يكون مكلفا به في ظاهر الشرع إلى أن يتبين له الخطاء في الفهم وكذا الكلام فيما يثبت عند المجتهد من الأحكام بعد بذل الوسع في تحصيله فإنه مكلف بما يعمل بما أداه إليه الأدلة الشرعية وإن فرض مخالفته لما هو الواقع وذلك لا يستلزم أن يكون ذلك مرادا من الشارع من خطابه ويكون ذلك هو الحكم بحسب الواقع كيف ولو كان كذلك لزم القول بالتصويب بل هو في ظاهر الشرع مكلف بما أدى إليه اجتهاده فإن طابق الواقع وإلا كان مخاطبا بالتكليف الأولي متعلقا بما هو مراد الشارع بحسب الواقع ولا بد من بذل الوسع في تحصيله فالقول بعدم كونه مكلفا بما هو الواقع رأسا غير متجه وكونه مكلفا في الظاهر بما يؤدي إليه اجتهاده غير نافع في المقام وإنما ذلك لو قامت الأدلة عنده على تعيين أجزاء الصلاة مثلا وشرائطه ليجب عليه العمل بمقتضاه وليس كذلك إذ المفروض أن الثابت من الأدلة هو اندراج جملة من الانفعال واعتبار عدة من الشرائط فيه مع الشك في الزيادة القاضي بالشك في صدق الصلاة على تلك الأجزاء المعلومة المستجمعة للشرائط المعينة فالثابت بالدليل اعتبار الأجزاء والشرائط المذكورة في ذلك الفعل على تلك الأجزاء كذلك فكيف يصح القول بتحقق الامتثال بمجرد الإتيان بها مع الشك المذكور وعدم قيام دليل شرعي على كون ذلك المأمور به في المقام والقول بأن الواجب في الظاهر هو خصوص ما قام الدليل على اعتباره جزءا كان أو شرطا ينفي غيره بالأصل كما يقال في سائر التكاليف مع عدم ارتباط بعضها بالبعض مدفوع بأنه أول الكلام إذ الكلام في تعلق الأمر حينئذ بذلك المقدار الذي يشك في حصول الماهية بحصوله فالقول بأنه القدر المسلم مما تعلق التكليف به واضح الفساد إذ لا تكليف هناك بحصول الأجزاء وأن المفروض ارتباط بعضها لبعض وبحيث لو ارتفع واحد منها ارتفع التكليف بالباقي فقضية الأصل حينئذ أن يقال إن التكليف الواقع بما هو مؤدى اللفظ واقع في المقام وحصوله بمجرد الإتيان بتلك الأجزاء المعلومة المستجمعة للشرائط المعينة غير معلوم بالنظر إلى الأدلة الظاهرية فلا بد من الحكم ببقاء التكليف وعدم سقوطه إلا مع الإتيان بكل جزء أو شرط شك فيه مع الإمكان ليعلم معه بحصول البراءة وأداء الواجب وهو واضح لا خفاء فيه وأما الرابع فبأن شمول الأخبار بمحل الكلام غير معلوم بل لا يبعد انصرافها إلى غيره وهو إما إذا كان أصل التكليف بالشيء مجهولا أو كان جاهلا به بالمرة